عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

93

اللباب في علوم الكتاب

المؤمنين متمنّيين أيضا ، فهذه ثلاثة أشياء أعني الرّدّ وعدم التكذيب ، والكون من المؤمنين متمنّاة بقيد الاجتماع ، لا أنّ كلّ واحد متمنّى وحده ؛ لما تقدّم من أنّ هذه « الواو » شرط إضمار « أن » بعدها : أن تصلح « مع » في مكانها ، فالنصب يعيّن أحد محتملاتها في قولك : « لا تأكل السّمك وتشرب اللبن » وشبهه ، والإشكال المتقدّم وهو إدخال التكذيب على التمني وارد هنا ، وقد تقدم جوابه إلّا أن بعضه يتعذّر هنا ، وهو كو ن « لا نكذّب ، ونكون » مستأنفين سيقا لمجرد الإخبار ، فبقي : إمّا لكون التمني دخله معنى الوعد ، وإمّا أن قوله تبارك وتعالى : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * ليس راجعا إلى تمنّيهم ، وإمّا لأنّ التمنّي يدخله التكذيب ، وقد تقدّم فساده . وقال ابن الأنباري - رحمه اللّه - : « أكذبهم في معنى التّمنّي ، لأن تمنّيهم راجع إلى معنى : « نحن لا نكذّب إذا رددنا » فغلّب « 1 » عزّ وجلّ تأويل الكلام فأكذبهم ، ولم يستعمل لفظ التّمنّي » . وهذا الذي « 2 » قاله ابن الأنباري - رحمه اللّه تعالى - تقدّم معناه بأوضح من هذا . قال أبو حيّان « 3 » : وكثيرا ما يوجد في كتب النحو أن هذه « الواو » المنصوب بعدها هو على جواب التّمنّي ، كما قال الزمخشري « 4 » : وقرىء « 5 » : « ولا نكذّب ، ونكون » بالنصب بإضمار « أن » على جواب التمني ، ومعناه « 6 » إن رددنا لم نكذّب ، ونكن من المؤمنين . قال : وليس كما ذكر ، فإن نصب الفعل بعد « الواو » ليس على جهة الجواب ؛ لأن « الواو » لا تقع جواب الشّرط ، فلا ينعقد ممّا قبلها ، ولا ممّا بعدها شرط وجواب ، وإنّما هي واو « مع » يعطف ما بعدها على المصدر المتوهّم قبلها ، وهي واو العطف يتعيّن مع النّصب أحد محاملها الثلاثة : وهي المعيّة ويميّزها من « الفاء » تقدير « مع » موضعها ، كما أنّ فاء الجواب إذا كان بعدها فعل منصوب ميّزها تقدير شرط قبلها أو حال مكانها وشبهة من قال : إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها « الفاء » ، فتوهّم أنها جواب . وقال سيبويه « 7 » - رحمه اللّه تعالى - : والواو تنصب ما بعدها في غير الجواب من حيث انتصب ما بعد « الفاء » ، والواو والفاء معناهما مختلفان ، ألا ترى قوله : [ الكامل ] 2140 - لا تنه عن خلق وتأتي مثله * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 8 »

--> ( 1 ) في ب : فقلب . ( 2 ) في ب : الرد . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 105 . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 15 . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 3 / 37 - 38 ، البحر المحيط 4 / 106 - 107 . ( 6 ) في أ : وجوابه . ( 7 ) ينظر : الكتاب 1 / 424 . ( 8 ) تقدم .